IjtihadReason Malta Forum In the News Lectures at the Grand Mosque, Oman Photo Essay
Articles

9/11 Overseas: Mischief and Nihilism

By Hassan I. Mneimneh

اعتداءات ٩/١١ بين طروحات العابثين وقناعات العبثيين

تقترب الذكرى التاسعة لاعتداءات الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١، وهي التي تشكل حدثاً مفصلياً في تاريخ الولايات المتحدة، إذ كانت الضربة الأولى من هذا الحجم في الداخل الأميركي، وحدوثها جاء في زمن اطمئنان ورخاء بعد أن طويت صفحة الحرب الباردة وثبتت الولايات المتحدة في دورها العالمي كالقوة العظمى الوحيدة. والصورة الذاتية لهذا الدور، في السياسة والثقافة على حد سواء، شددت يومها على إدراك الولايات المتحدة للمسؤوليات المترتبة عن دورها الجديد، ورأت تناغماً بين المصالح والمبادئ الأميركية في تحقيق الاستقرار والتقدم الدوليين، واعتبرت أن المنهج الذي سلكته الحكومات الأميركية المتعاقبة قد جسّد هذا التناغم، فمن هنا كان التدخل في الكويت والبوسنة وكوسوڤا، ومن هنا كانت المبادرات الأميركية المتكررة لفض الصراع في الشرق الأوسط وغيره.

وإذا كان ثمة تباعد واضح بين هذه الصورة الذاتية وبين قراءات متعددة للولايات المتحدة كقوة جبارة تسعى إلى الهيمنة على العالم بموارده واقتصاده، وتعمل على فرض تصوّرها الأحادي دون اعتبار لمصالح غيرها ورغباتهم، فإن هذا التباعد يأخذ منحىً خطيراً يعترض أية إمكانية تواصل عندما يطال الموضوع اعتداءات الحادي عشر من أيلول.

ولا شك أنه في الولايات المتحدة حساسية مفرطة إزاء أية إشارة لهذه الاعتداءات تتعدى إدانتها واعتبارها عدواناً صريحاً دون مبرر. والنفور يطال حتى محاولات فهم دوافع المعتدين إذا كان هذا الفهم يتضمن أي اعتبار لموقف أميركي في أية قضية. فالقناعة في الثقافة الأميركية قد استقرت على أن ما جرى في ذاك اليوم هو حدث ابتدائي. ولا يمكن الاحتجاج في الوسط الأميركي بالموقف من القضية الفلسطينية، أفلم يبذل كل الرؤساء طاقاتهم لحلّ هذه القضية، وصولاً إلى التسوية التي كان عرّابها الرئيس الأسبق بيل كلينتون والتي كادت أن تطابق المطالب الفلسطينية، ولكنها رغم ذلك لاقت الرفض. ولا يمكن التعويل على مسألة التواجد العسكري الأميركي في الجزيرة العربية. ألم يأتِ هذا التواجد بناءاً على طلب من حكومات المنطقة، ووفق قيود وشروط لم تعتدها الولايات المتحدة، بل يرى فيها البعض امتهاناً لكرامتها؟ وأية مسؤولية مفترضة هي للولايات المتحدة في كشمير والشيشان وغيرهما؟ بل هل غاب عن دعاة الربط، وفق القناعة السائدة أميركياً، أن الولايات المتحدة قد بذلت أبناءها وأموالها في حروب متاولية في عقد التسعينات دفاعاً عن مسلمين؟ ثم وإن صح أنه ثمة مواقف سياسية أميركية قابلة للنقد، فهل النقد هو بقتل الأبرياء؟ كل هذه الاعتبارات تسقط أية محاولة لتفسير الاعتداءات على أنها ردة فعل، مهما جرى التشديد على تعسفية ردة الفعل هذه، في خانة الاعتذاريات المرفوضة والمستهجنة. والبديل، في الوسط الثقافي السائد أميركياً هو البحث عن دوافع هذا العدوان فيما تمثله الولايات المتحدة من قيم وأسس ومبادئ.

إلا أنه كان للثقافة الأميركية على الدوام هوامش متفاوتة الاعتبار تمارس فيها حرية التعبير خارج إطر التوافق الثقافي والاجتماعي السائد. وبعض هذه الهوامش يلقى الاعتبار خارج الولايات المتحدة، فيما الإهمال نصيبها فيها، ومنها على سبيل المثال إصدارات اليسار العقائدي (تشومسكي، فنكلشتين، الخ)، والتي لا مكانة لها في الداخل الأميركي، فيما يتلقفها نقّاد الولايات المتحدة في الخارج على أنها قراءة ثورية نافذة دقيقة لواقع الحال. وإذا كان هذا الخارج يفسر هامشيتها أميركياً على أنها متعمدة لإقصاء أصوات قادرة على دحض الهيمنة القائمة على العقل الأميركي، فإن هذا العقل يرى فيها وحسب أهوائية انتقائية اختزالية لا تختلف عن تلك التي تقدم عليها غيرها من الهوامش، من المؤامراتية المنهمكة إلى اليوم باغتيال الرئيس الأسبق كينيدي، وصولاً إلى طروحات التواجد السري لمخلوقات فضائية وغيرها من الخزعبلات.

وفي خضم التسفيه والتسفيه المضاد، والذي أسس لتباعد قائم لتوّه بين الوسط الثقافي الأميركي وبعض نظرائه في الخارج، يجري تداول طروحات في أكثر من وسط إعلامي وثقافي عالمي تشكك في «الرواية الرسمية» لما جرى يوم الحادي عشر من أيلول، وصولاً إلى النظر في احتمال أن تكون حكومة الرئيس السابق جورج دبليو بوش نفسها قد خططت للاعتداء أو نفّذته، ويجري استدعاء خبراء مفترضين للطعن ببعض أوجه الرواية الرسمية، من استحالة سقوط المباني التي انهارت، إلى غياب الأدلة حول ارتطام طائرة بمبنى الپنتاغون. وتتراوح المواقف في اعتبار هذا التشكيك من الدعوة إلى موضوعية مزعومة تستوجب النظر فيه، إلى قناعة بأنه الحقيقة التي انكشفت والتي تجهد الجهات الرسمية الأميركية في محاولات طمس جديد لها.

ويمكن بالطبع تفنيد هذا التشكيك ودحض مكوناته فرداً فرداً. كما يمكن ملاحظة التغاضي التام عن ادعاء المسؤولية الصادر عن الجهة التي أقدمت على الاعتداء والمستمر منذ تسع سنوات. ولكن يتوجب أولاً الإشارة إلى مصدر هذه الرواية الجديدة، وهي النابعة في أكثر من حالة من أبحاث من سبق لهم أن نقض بأن رواد الفضاء قد وطأوا سطح القمر، وكشف أن طوافات الأمم المتحدة تختطف البقر من سهول الغرب الأوسط الأميركي، وغيرها من النظريات الاعتباطية التي توفر مادة ترفيه وإثارة للبعض في الولايات المتحدة. فمناقشة هذه النظرية تشكل مجهوداً يبدد طاقات فكرية الأولى أن تبذل في سعي إلى استيعاب طبيعة المجتمع والثقافة والنظام والدولة في الولايات المتحدة، إذ في ذلك جواب كافٍ على الأوهام التي تسمح باستفحال أثر طروحات العابثين. ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح عربياً، فيما يتعدى القصور القائم في فهم الحالة الأميركية، هو حول دواعي قبول هذه النظرية البديلة لدى البعض من أصحاب الكفاءة الثقافية. فهل أن العداء لما تمثله الولايات المتحدة قد تأصل إلى حدّ أصبح معه تصديق ما لا يحتمل التمحيص الأولي مسألة فيها نظر؟ والخشية هنا أن تنحدر الموضوعية المفترضة ببعض الثقافة العربية إلى مزيد من العبثية، فيما نظيرتها الأميركية تمعن في الانطوائية. والحاجة إلى تواصل صادق هي اليوم في أوجّها.

English

Search