IjtihadReason Malta Forum In the News Lectures at the Grand Mosque, Oman Photo Essay
Articles

Reflections on “Ijtihad”

By Hassan I. Mneimneh

الجهاد والاجتهاد: تطور المصطلح ومدلولاته الثقافية

تعتمد اللغة العربية، كما شقيقاتها من اللغات السامية الأخرى مثل العبرية والآرامية، أصولاً (أو جذوراً وفق الاستعمال المعاصر الشائع) من ثلاثة أحرف لاشتقاق معظم كلماتها. فلا يخفى على أي متحدث بلغة الضاد، أن الأصل «ك-ت-ب» هو الأساس لجملة واسعة من الكلمات المتعلقة بالكتابة بشكل أو بآخر، وارتباط بعضها بهذا المعنى مباشر، مثل «كتاب» و «مكتبة»، فيما هو بالنسبة للبعض الآخر أقل بديهية، مثل «استكتب» و «اكتتب»، وهي أفعال تتم بالأصل كتابة، فمن هنا كان تواتر استعمالها بمعانيها المعروفة.

وكذلك حال الأصل «ج-ه-د»، وجوهر معناه الظاهر طبعاً هو الجهد، فقد كان من شأنه استيلاد مصطلحين يتجاوزان في أهميتهما الأبعاد اللسانية والاشتقاقية وهما الجهاد والاجتهاد. فلهذين المصطلحين تاريخ متحول، ومعانيهما في كل حقبة تدل على التوجهات الثقافية للمجتمع الذي يعتمدها.

ومن الناحية الاشتقاقية المحضة، فإن الجهاد والاجتهاد يشتركان بمعنى بذل الجهد، باتجاه خارجي بالنسبة للأول، وباتجاه داخلي بالنسبة للثاني. ولكن، كما هو الحال في العديد من الكلمات، فإن المعنى الاصطلاحي يختلف بقدر ملحوظ عن المعنى الاشتقاقي، إذ أصبحت كل من كلمتي الجهاد والاجتهاد تسمية لمسمى معهود في المتداول الديني الإسلامي.

فالجهاد، كما رأى علماء المسلمين من استقرائهم للتنزيل، أضحى خاصاً لأوجه من الطاعة لأمر المولى تتطلب شديد الجهد، مادياً وروحياً. ولا شك أن الوجه الأكثر تطلباً والأكثر ظهوراً لمصطلح الجهاد كما جرى استيعابه وإرساؤه هو إلزام المسلم بالانضمام إلى جند دولة الإسلام في دفع الصائل أو في الطلب في سبيل الله. والجهاد هو بالتالي واجب وفرض، غير أنه لدى مذاهب أهل السنة والجماعة فرض جماعة لا فرض عين. وواقع الحال أنه مع توالي القرون والدول، فإن الجهاد أصبح مشروطاً بما اعتمدته الحكومات المتعاقبة في حاجاتها الدفاعية والهجومية، ومع دخول القرن العشرين، كاد التوافق بين مفهوم الجهاد هذا وبين نظم التجنيد المعتمدة في الدول غير الإسلامية أن يكون كاملاً. وبالإضافة إلى المعنى الشائع الذي يقرن الجهاد بالعمل الحربي، فإن فقهاء المسلمين أجروا الكلمة على طائفة من المعاني الأخرى، جميعها متعلقة ببذل الطاقة لرفع الذات والجماعة، مع التأكيد على أن أسمى هذه المعاني، أو الجهاد الأكبر، هو جهاد النفس في أهوائها ووهنها. وهذا المعنى الأخير غالباً ما يجري استدعاؤه اليوم لمعارضة التشويه الذي يطال الإسلام في مفاهيمه وتراثه في أكثر من وسط. إلا أن الواقع أنه وسائر المعاني غير الحربية التي أشار إليها الفقهاء لم تكن حتى في أزمانها على قدر الرسوخ الأكيد للمعنى الأكثر شيوعاً، أي الجهاد كواجب المشاركة في العمل الحربي للدولة الإسلامية المشروعة.

ولكن أعقاب الحرب العالمية الأولى جاءت بتحول جوهري في المنظومة السياسية والثقافية في العالم العربي، أبرز معالمها نشوء حكومات قطرية لا تعتمد في مشروعيتها على الطابع الإسلامي للحكومة أو الدولة. وكما كان حال السياسة، أضحى حال اللغة، وشهد اللسان العربي تحولات في معاني مصطلحات عدة، ومنها كلمة الجهاد التي أضاعت خصوصيتها الدينية وأصبحت متاحة لاستعمالات جديدة ذات طابع وطني: فالجهاد منذئذ هو الطاقة المبذولة لصالح القضية، والقضية على الغالب هي الوطن. والدليل على هذا التحول بالمعنى هو أن استعمال كلمة «جهاد» كاسم علم شاع في مختلف الأوساط، بغضّ النظر عن الخلفية الدينية، فصاحب هذا الاسم قد يكون من من أسرة مسلمة أو مسيحية. ثم إنه عندما اختار الناشط الفلسطيني فتحي الشقاقي اسم الجهاد للمنظمة التي أنشأها في السبعينات، كان عليه أن يضيف نعت الإسلامي إليه لتحديد هويتها العقائدية، إذ يومها كان بوسع الجهاد أن يكون إسلامياً أو غير إسلامي.

غير أن الجهاد في أفغانستان في عقد الثمانينات أعاد كسب هذا المصطلح للاستعمالات المرتبطة بالمفاهيم الدينية، وإن اختلف المعنى الجديد عن المعاني السابقة. فالجهاد، وفق هذا المعنى الجديد أمسى أقرب إلى النضال أو الكفاح وفق الاستعمالات الشائعة لحركات التحرر الثورية، إنما بطابع إسلامي، منه إلى ما كان عليه قبلاً من المجهود الحربي الذي تشرف عليه الدولة تجنيداً وتنظيماً. بل إن الناشطين في هذا الجهاد الجديد قد سعوا إلي إعادة تعريف شروطه وأركانه، وذلك انطلاقاً من قراءات انتقائية في بعض الأحيان للمخزون الفقهي، تتجاوز ما ترسخ من سوابق على أكثر من صعيد وتتجاوب مع الممارسات الحالية للحركات التي تعتنق هذا الجهاد، وصولاً إلى أن كاد الجهاد في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين أن يقرن بالهجمات الانتحارية التي تحصد الأبرياء تحت ستار من التبريرات الواهية بلغة دينية.

فهل يمكن انتشال مصطلح الجهاد من هذا الربط المسيء الذي أقحمته به الحركات العنفية؟ المحاولات في هذا الصدد عديدة، ولكنها تكاد أن تنحصر بالسعي إلى تأصيل الجهاد في المفاهيم الفقهية التي تعتبر أن الجهاد يتجاوز النشاط الحربي ليطال أبعاداً اجتماعية وروحية. أما الثروة في المعاني والتي ازدهرت في محيط لغة الضاد في تاريخها القريب، ومنها الجهاد كتعبير عن وطنية تتجاوز الجانب الديني، أو الجهاد كبذل للنفس في سبيل الخير للجماعة، فهي رصيد ما زال ينتظر من يستدعيه.

وكما الجهاد، كذلك الاجتهاد، فقد شهد هذا المصطلح تحولات في مدلولاته.

لا شك أن تاريخ الفكر الإسلامي، ولا سيما في مراحله التأسيسية، هو سجل تفاعل جدلي بين النص والعقل ومسعى إلى التوفيق المنتج بينهما. فالنصوص الإسلامية المرجعية العليا، وأولها طبعاً القرآن الكريم ثم الحديث الشريف، تقدم العديد من المداخل التي يمكن من خلالها استشفاف الشريعة، أي أحكام الخالق في أفعال المخلوق، ولكن هذه النصوص لا تدرج تفاصيل الشريعة بشكل جامع مانع، بل تترك للمؤمنين السعي إلى فقهها اعتماداً على ما ورد منها ضمن هذه النصوص وعلى ملكة العقل الممنوحة للإنسان. وعليه فإن التاريخ الإسلامي قد شهد محاولات متواصلة لبسط قراءة المخلوق لأحكام الخالق في إطار مذاهب فقهية. والمبسوط هو إذن فقه الشريعة، لا الشريعة عينها. وهذا الحرص في التوصيف، والنابع من الإقرار الضمني بالقصور عن كنه الشريعة بمطلقها، يكاد أن يكون قد تلاشى اليوم، إذ أمست صفة الشريعة تطلق على أعتى الممارسات حتى التي تشكل تجاوزاً صارخاً للحقوق.

والمذاهب الفقهية قد تعددت، وكان بينها بل وضمن المذهب الواحد خلاف. وقد أوثق الفقهاء لفقههم أصولاً، البعض منها موضع قبول واسع، الكتاب والسنة وفق قواعد علوم التفسير والحديث رواية ودراية، والقياس، وإجماع العلماء، والبعض الآخر مثل الاستحسان والاستصحاب والاستصلاح بقي موضع خلاف. فثمة توجهان تقاطعا في أكثر من مذهب فقهي، توجه أهل الرأي والذي اعتبر أنه ثمة مصلحة تجيز الاعتماد على بعض هذه الأصول المختلف فيها لكنه الشريعة، وتوجه أهل الحديث والذي أسقط ما لم يفصح عنه النص جهاراً. فأصحاب التوجه الأول هم في نظر المدافعين عنهم دعاة عقل في الدين، وفي نظر خصومهم متطاولون على النص، فيما أصحاب التوجه الثاني في نظر مؤيديهم ملتزمون بالنص وفي نظر معارضيهم متزمتون يمنعون العقل الذي شاءه المولى عاضداً للنص.

والاجتهاد اصطلاحاً هو تسمية منهج يسعى إلى التوفيق بين العقل والنقل، لاستخراج قراءات للأحكام إنطلاقاً من النص ولكنها قراءات تستفيد من الهبة الإلهية الأخرى الممنوحة للإنسان، أي عقله. فالاجتهاد هو التطبيق العقلي الأمين الرافض ضمناً لمقولة التعارض بين العقل والنقل، بل المجتهد هو الفقيه الذي يضع القناعة بتوافقهما موضع التنفيذ. فالاجتهاد حرية عقلية مسؤولة تتوخى الخير للجماعة. والقاعدة الثابتة بشأنه، والمنسوبة إلى رسول الإسلام هي أنه من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، ومن اجتهد وأصاب فله أجران. ففضل الاجتهاد كان ولا يزال صفة ملازمة للكلمة. 

وقد كان للاجتهاد في معناه الفقهي مسارين مختلفين لدى الطائفتين الأسلاميتين الرئيسيتين. ففي أوساط أهل السنة والجماعة، رأى بعض الفقهاء، ومنهم الإمام الغزالي في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، في سعي منهم إلى إيجاد إطار ضابط للفتوى الفقهية، أنه بعد انقضاء قرون عدة على وفاة الرسول، فإن الآراء المختلفة الصادقة القائمة على مبادئ الإسلام قد استنفدت، ومن الأصلح بالتالي اعتبار باب الاجتهاد موصداً. وبطبيعة الحال. فهذا كان رأياً وحسب لأئمة وعلماء، ولم يكن ما يجعله ملزماً لعموم والمسلمين حاصلاً، ولا سبيل لأصحابه على فرضه على أية حال. والواقع أن اللجوء إلى الاجتهاد لم ينقطع، وإن كان الرأي بأغلاق باب الاجتهاد قد صاحب تحولات تاريخية خطيرة في العالم الإسلامي، خارج الإطار الفقهي، شهدت بالفعل تراجعاً في الزخم والتنوع الفكريين اللذين كانت قد شهدتهما الحقبة الماضية. وفي حين أن الاجتهاد كمنهجية قد استمر في أوساط مذاهب أهل السنة والجماعة، فإن هذا الاستمرار كان أقل بروزاً، وأمسى تصنيفه اجتهاداً أكثر ندرة.

أما في أوساط شيعة أهل البيت، والإمامية منهم تحديداً، فإنه قد تمخض عن الخلاف بين الأخباريين والأصوليين من علمائهم استقرار الاجتهاد في إطار مؤسسة المرجعية. بل العالم ذو الفقاهة لدى الإمامية هو المجتهد الذي يصحّ للعوام تقليده.

أما في قرن الانفتاح العربي والذي يبتدئ في أواخر القرن التاسع عشر ويستمر إلى نهاية القرن العشرين الميلاديين، فإن الاجتهاد كغيره من المصطلحات خرج في معناه عن الحصرية الدينية ليصبح مرادفاً لبذل فضيل للطاقة ولا سيما الفكرية، فيقال إذن في الثناء عن تلميذ المدرسة أنه مجتهد، ويطرى على المفكر والقيادي ممارسته للاجتهاد أي الإبداع والابتمار في الأفكار. والاجتهاد في المتداول اللغوي العربي اليوم هو الفعل العقلي في سبيل خيّر. فالاجتهاد ليس العقل المجرد، بل هو العقل المنتج. وثمة تدرجية ضمنية في مفهوم الاجتهاد ، فالاجتهاد هو العقل الجاد في تحسين عالمه، لا العقل الساعي إلى قلبه رأساً على عقب.

وإذا كان العبثية كادت أن تتمكن بالفعل من الاستئثار بالجهاد اليوم، كمفهوم وكممارسة، ليصبح فعلاً قبيحاً أو مسيئاً لا مكان للعقل أو التعقل فيه، فإن إعادة التأكيد على أن الاجتهاد هو العقل الجاهد إلى الفعل الحسن والمحسن، ينطلق من الرصيد الثقافي عينه ويشكل رداً رمزياً على هذا الاستئثار. 

والواقع أنه حتى الإمام الغزالي نفسه، وهو من كان قد سعى إلى إيصاد باب الاجتهاد، لا يلقى ترحيباً يذكر في الأوساط التي تعتمد قراءة تعسفية اختزالية للإسلام. بل إنه وغيره من علماء المسلمين يتعرضون للنقد والإسقاط بحجة تعارضهم مع صرحاً بناه الاختزاليون وجعلوه أصلاً ومعياراً باسم الإسلام والجهاد. وإذا كان الاجتهاد منبوذاً في دار الجهاد هذه، فإنه من شأنه أن يكون إحدى السبل لمقارعة  التجنيد الشمولي الممارس باسم الدين والذي يعمل على تحقيقه أصحاب القراءات التعسفية.

English

Search